*رحلة طارئة إلى عدن* كتب/ اسامة عبد الملك القرشي

وجدته ذات صيف عام 1996 م عندما كنت طالبا في السنة الثالثة في قسم الدراسات العربية بكلية الآداب في مدينتي الأثيرة  ( تعز ) ،  كان يجوب أزقة ( حي الأجينات ) الشهير بشارع الأدوية ،  وكنت أنا أبحث عن بعض الأدوية والمستلزمات الإسعافية لعيادة والدي في القرية ،  حجمه وملامحه يوحيان إلى عمر الست سنوات وهو يتلفت يمينا وشمالا والدموع تهطل من عينيه  .

-  فين أنا ؟!  . . فين أبي؟! .. فين البيت ؟! 

يتلفظ بهذه الكلمات مفزوعا  ،  فأمسكت بكتفيه أهدئ من روعه .

-  مالك يا ابني ؟ .. من تدور ؟! 

سألته بلهفة ،  فأجاب  :

-  أنا من عدن . . جئت مع أبي إلى تعز تمشية لأول مرة في حياتي ،  ونسكن في بيت صاحب أبي ،  أرسلني أبي أبحث له عن نعنع حار يتناوله مع القات ،  وجدت الدكان جوار البيت مغلقا ،  ومن دكان إلى دكان أضعت الطريق حتى وصلت هنا .

-  طيب يا ابني .. أيش اسم صاحب أبوك ؟ اسم الحارة اللي ساكن فيها ؟  البيت جنبه مدرسة أو جامع أو سوق او أي شيء تتذكره ؟! 

-  أيوووه  ،  أيوه .. البيت جنب جامع في وسطه مرسوم خط أخضر ومكتوب عليه آيات قرآنية .

هكذا اجابني متوهما ،  لأكتشف لاحقا ان ما وصفه كان بيتا وليس جامعا .

طفت به على معظم الأحياء والشوارع المجاورة ،  ومررت بجميع الجوامع المعروفة فيها عله يتذكر البيت  :

الاجينات ، القبة المعصور ،  شارع جمال ،  الضربة ،  المسبح ،  الضبوعة ،  المركزي  . . لكن دون جدوى .


لم أشعر بالأمان في تسليمه لأي قسم شرطة في ذلك الوقت لوجود عقدة في داخلي في من أقسام الشرطة لما عرفته عنهم من قمع في المظاهرات ،  وما سمعته عنهم من ابتزاز وإهمال ورشوة وجفاء في التعامل .


شارف الوقت على المغيب ولم نجد البيت بعد .

تحسست جيبي كان بداخله ألف ومئة ريال متبقية من مصروف الشهر ،  ولمعت فكرة في رأسي  :

-  هل تعرف عنوان بيتكم في عدن ؟!

-  أيوه هو في المنصورة .

-  طيب .. لو اوصلتك لفرزة السيارات اللي في الشيخ عثمان ،  تقدر تدلنا على البيت .

-  أيوووه ،  بس كيف أسيب أبي هنا قلقان عليا .

-  المهم توصل لحضن أمك يا ابني ،  وأبوك خليه يأخذ درس كيف يرسل طفل يزور مدينة لأول مرة ،  ويخليه يخرج من البيت علشان لوازم الكيف ونعنع القات ،  وعلى العموم لا تقلق لما أرجع من عدن بأدوره وأبلغه إنك عند أمك في بيتكم بعدن .


كانت أجرة الراكب من تعز إلى عدن ثلاثمائة ريال ؛ إذا أجرتي مع أجرته 600 ريال ،  300 ريال لعودتي ،  200 ريال لنتناول أي طعام في الطريق ،  وبكرة على رب بكرة مادمت آكل وأشرب في منزل عمي .

تحركنا نحو فرزة عدن بعد المغرب تقريبا ،  ثم انطلقت السيارة في الثامنة مساء ،  قطعنا بعض الوقت في الحديث  :

-  ما اسمك يا ابني ؟! 

-  حسين عبد ربه حسين .

-  من فين ؟! 

-  من يافع ،  ونسكن أنا وأبي وأمي وجدي في المنصورة ،  وطلعت مع أبي تعز تمشية ،  ذلحين أبي يكون يدور عليا .

وبدأ في البكاء  .

-  لا تبك يا ابني ،  أنت من يافع ويافع رجال ،  تدري يقولوا اسم الجبال عندكم زي اسم الجبال عندنا في الحجرية .

وضحكنا سويا

تعشينا في الراهدة ثم واصلت السيارة الرحلة .


وصلنا إلى عدن الساعة العاشرة تقريبا ،  ثم اتجهنا من الفرزة الى المنصورة  " بلوك ٥٨ ،  بلوك ٥٩ ،  بلوك ٥٦  " .. الحقيقة لم أعد أتذكر الأرقام ،  كل ما اتذكره أني طرقت الباب وخرجت إحدى أخواته الصغار وهي تنظر إلينا باستغراب شديد وتهتف  :

-  أماه أماه .  . حسين اخي ومعه واحد غريب ،  شكلهم رجعوا من تعز !

سمعت وقع خطوات الأم قادمة وهي تتمتم باستغراب :

-  كيف رجعوا بهذه السرعة ؟!

ما أن رأى الطفل أمه واقفة في الباب ارتمى في حضنها  وهو يبكي  :

-  أبي عاده في تعز ،  أنا ضعت يا أماه ،  ووصلنا هذا الابن التعزي لهنا .

انطلقت الأم في الدعاء   :

-  حفظك ورعاك يا ابني ،  الله يوفقك في دراستك ومستقبلك وحياتك .. أنت طالب يا ابني صح ؟! 

قلت لها  :

-  أيوه في سنة ثالثة جامعة ،  وبكرة معي اختبار .

انهمرت عيناها بالدموع وانطلقت مجددا في الدعاء .

قلت لها  :

-  طيب مش عارفين أبو الابن فين ساكن في تعز ؟  وأيش اسم صاحبه اللي ساكن عنده ؟ وما فيش معاكم رقم تلفون بيته ؟ 

ردت علي  :

-  والله ما آني دارية بشيء ،  ولا أعرف العنوان ،  ولا معي رقم تلفون .. كل اللي أعرفه إن اسم صاحبه  " القاضي الصلاحي "  .

-  خلاص ولا يهمك أنا بأتكفل بالموضوع وأبلغ أبوه ولا تقلقوا .

انطلقت راجعا وهي تدعو لي بحق دخول هذا الشهر الكريم ،  وكانت هذه الكلمات أول تأكيد لي على دخول شهر رمضان المبارك ،  وهو الخبر الذي فاتني من التلفاز  .

عدت أدراجي إلى الفرزة مغادرا باتجاه تعز التي وصلتها الساعة الثانية بعد منتصف الليل وقد خطرت لي فكرة في الطريق .


وصلت مباشرة إلى مدينتي لأتصل لادارة أمن المحافظة وآخذ منها أرقام هواتف أقسام الشرطة ،  واتصلت بكل قسم زيادة في الاطمئنان  ، لأجد بلاغا عن ضياع طفل بنفس الاسم والمواصفات في قسم الجديري بتعز ، فابلغتهم عن العثور عليه وإيصاله لمنزله في عدن ، وتسليمه لأمه وجده واستودعتهم أمر إبلاغ والده بالأمر .

تناولت بعد ذلك سحوري  ، ونمت سويعات قليلة ، ثم صحوت للذهاب لامتحان مادتي التي كانت عسيرة  ، وفوجئت أثناء ظهور النتيجة بأني قد حصلت فيها على أعلى الدرجات .                            


*ترى أين ذلك الطفل الآن ؟!*   

*بالتأكيد هو قد صار رجلا*

*ولعله الآن ضمن الحراك الذي يدعو لترحيل المكون التعزي الأصيل من عدن*